السيد محمدحسين الطباطبائي
34
الإعجاز والتحدى في القرآن الكريم
مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ « 1 » ، فإنّ الآية الأولى وكذا بقيّة الآيات تدلّ على أن الأشياء تنزل من ساحة الإطلاق إلى مرحلة التعين والتشخص بتقدير منه تعالى وتحديد يتقدّم على الشيء ويصاحبه ولا معنى لكون الشيء محدودا مقدرا في وجوده إلّا أن يتحدّد ويتعيّن بجميع روابطه التي مع سائر الموجودات والموجود المادي مرتبط بمجموعة من الموجودات الماديّة الأخرى التي هي كالقالب الذي يقلب به الشيء ويعيّن وجوده ويحدّده ويقدّره فما من موجود مادي إلّا وهو متقدّر مرتبط بجميع الموجودات الماديّة التي تتقدّمه وتصاحبه فهو معلول لآخر مثله لا محالة . ويمكن أن يستدل أيضا على ما مرّ بقوله تعالى : ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ « 2 » ، وقوله تعالى : ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ « 3 » ، فإن الآيتين بانضمام ما مرّت الإشارة إليه من أنّ الآيات القرآنيّة تصدّق قانون العليّة العام ، تنتج المطلوب . وذلك أنّ الآية الأولى تعمم الخلقة لكلّ شيء فما من شيء إلّا وهو مخلوق للّه عزّ شأنه ، والآية الثانية تنطق بكون الخلقة والإيجاد على وتيرة واحدة ونسق منتظم من غير اختلاف يؤدي إلى الهرج والجزاف والقرآن كما عرفت أنه يصدق قانون العليّة العام في ما بين الموجودات الماديّة ، ينتج أنّ نظام الموجود في الموجودات الماديّة سواء كانت على جري العادة أو خارقة لها على صراط مستقيم غير متخلف ووتيرة واحدة في استناد كلّ حادث فيه إلى العلّة المتقدّمة عليه الموجبة له . ومن هنا يستنتج أنّ الأسباب العادية التي ربما يقع التخلف بينها وبين مسبباتها ليست بأسباب حقيقية بل هناك أسباب حقيقيّة مطردة غير متخلفة الأحكام والخواص كما ربّما يؤيده التجارب العلمي في جراثيم الحياة وفي خوارق العادة كما مرّ .
--> ( 1 ) التغابن - 11 . ( 2 ) المؤمن - 62 . ( 3 ) هود - 56 .